عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
111
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
سنة ثمان وثمانين وأربع مائة فيها قامت الدولة على أحمد خان صاحب سمرقند ، وأشهدوا عليه بالزندقة والإقلال ، فأفتى الأئمة بقتله ، فخنقوه ، وملكوا ابن عمه . وفيها التقى تتش وابن أخيه بركيا روق بنواحي الري ، فانكسر عسكر تتش ، وقاتل هو حتى قتل . وكان رضوان بن تتش قد صار إلى بغداد لينزل بها ، فلما قارب هيت جاءه نعي أبيه ، ودخل حلب ، ثم قدم عليه من الوقعة أخوه دقاق ، فراسله متولي قلعة دمشق فسار سراً من أخيه ، وتملك دمشق . وفيها قدم الإمام أبو حامد الغزالي دمشق زاهداً في الدنيا ، وما كان فيه من رئاستها والإقبال والقبول من الخليفة وكبراء الدولة ، وصنف الإحياء وأسمعه بدمشق ، وأقام بها سنتين ، ثم حج ورجع إلى وطنه . قلت : هكذا ذكر بعض المؤرخين أنه قدم في السنة المذكورة إلى دمشق ، وذكر بعضهم أن توجهه فيها كان إلى بيت المقدس لابساً الثياب الخشنة ، وناب عنه أخوه في التدريس ، وذكر أنه بعد ذلك توجه من القدس إلى دمشق ، فأقام بها مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع في الجانب الغربي منه ، ثم ذكر أنه انتقل منها إلى بيت المقدس ، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة وأشياء أخرى سيأتي ذكرها . قلت وأما قول الذهبي أنه صنف الإحياء وأسمعه بدمشق ، فمخالف لما ذكر الإمام أبو حامد المذكور في كتابه المنقذ من الضلال أنه أقام في الشام قريباً من سنتين ، مختلياً بنفسه ، ولم يذكر إسماعه الإحياء ولا تصنيفه إياه ، ولو كان لذكره ، كما ذكر علوماًُ أخرى صنف فيها قبل السفر أيضاً . فتصنيف الإحياء مع ما اشتمل عليه من العلوم الواسعة المحاكية للبحر الذي أمواجه متدافعة ، لا يمكن وضعه في سنتين ولا ثالثة ولا رابعة ، وأما ما ذكره ابن كثير وغيرهم من كونه حج قبل سفره إلى الشام ، وأنه أقام في الشام عشر سنين وأنه دخل مصر والإسكندرية ، ورام الاجتماع بملك المغرب ، فكل ذلك مخالف تصريح ما نص عليه أبو حامد في كتابه المذكور ، فإنه ذكر أنه توجه إلى الشام قبل توجهه إلى مكة ، ثم توجه إلى الحج بعد السنتين المذكورتين ، ثم كر راجعاً إلى وطنه وأولاده ، وهذا يدل عل بطلان القول المذكور وفساده ، والعجب كل العجب من قوله أنه قصد السلطان المغرب بقضاء أرب ، وهو من ملاقاة السلاطين قد هرب ، وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته .